السيد محمدحسين الطباطبائي

103

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

المشبّهة في دلالتها على الدوام والثبات . والناس في بادئ مطالعتهم لحال الموجودات التي بين أيديهم ، وجدوها على قسمين : قسم لا يختلف حالها عند الحسّ ما دام وجوداتها موجودة ، كالأحجار وما أشبهها ، وقسم منها ربّما تغيّرت حالها وتعطّلت قواها وأفعالها مع بقاء وجودها الظاهر عند الحسّ ، كالإنسان وسائر أصناف الحيوان ، ربّما نجدها تعطّلت قواها ومشاعرها وأفعالها ، ثمّ يطرأ عليها الفساد تدريجا . وبذلك أذعن الإنسان أنّ هناك وراء الإحساس أمرا آخر ، هو المبدأ للإحساسات والإدراكات العلميّة والأفعال ، يسمّيه بالحياة ، ويسمّى بطلانه بالموت . وقد عدّ سبحانه هذه الحياة التي تحت إحساسنا شيئا هيّنا لا يعبأ به ؛ فكرّر نحو قوله : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ * « 1 » وقوله : تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا « 2 » والمتاع : ما يقصد به الغير ، والعرض : ما يعرض ويزول . ثمّ شدّد الأمر أن عدّها سرابا وهميّا ، وأمرا مجازيّا غير حقيقيّ ، في مثل قوله : تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا « 3 » والظاهر أنّ الإضافة بيانيّة ، والزينة : هي الجميل الذي يضمّ إلى الشيء ويغرّ به قاصده ، فيقصد غير ما يقع ويقع غير ما يقصد . ومثل قوله : وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ « 4 » واللهو : ما يشغلك

--> ( 1 ) . الآية بهذا اللفظ وردت في القرآن مرّتين مقرونة ب : « الغرور » ، وسيشير لاحقا إلى ذلك اللفظ ، وورد وصف الحياة الدنيا بالمتاع أو إضافة المتاع إلى الحياة الدنيا في آيات عديدة لكن ليس بهذا اللفظ ، مثل : إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ و مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا * انظر : غافر ( 40 ) : 39 ، وآل عمران ( 3 ) : 14 . ( 2 ) . النساء ( 4 ) : 94 . ( 3 ) . الكهف ( 18 ) : 28 . ( 4 ) . العنكبوت ( 29 ) : 64 .